أحمد بن علي القلقشندي

57

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الأعلام ، بالإخبار به والإعلام . وبلغ [ من ] ( 1 ) صنع اللَّه لنا وهو كاف من توكَّل عليه ، وفوّض الأمور إليه ، أن لا طفنا النصر بحصون أربعة لم نوجف عليها ركابا ( 2 ) ، ولا تملَّكتها غلابا ؛ فطهّرنا بيوت اللَّه من دنس الأوثان ، وعوّضنا النواقيس بكلمة الإيمان . والحمد للَّه على مواهب الامتنان ، ومنه نستزيد عوائد الإحسان . وهذه المجملات تحتمل شرحا ، تسبح في بحره سنان الأقلام سبحا ، من أوصاف مغانم شذّت عن الحصر ، ومواقف لتنزّل السكينة وهبوب النّصر ، وما ظهر من جدّ المسلمين في افتتاح تلك المعاقل المنيعة المنيفة ، ومقارعة الجموع الكثيفة ؛ وبركة الحرم الشريف في كل حال موجوده ، وأقطار الإسلام بها مجوده ، والوسائل إلى اللَّه بأهله في القديم والحديث لا مخيّبة ولا مردوده ؛ فهو الأصل ، والغمد الذي سلّ منه النّصل ؛ حتّى بلغ التخوم القاصية ، وذلَّل الممالك المتعاصية ، وقاد من تقاعد أو تقاعس بالناصية . وقد ظهر لنا أن نوجّه إلى المدينة المقدّسة صلوات اللَّه على من بها وسلامه رسالة نعرّفه بهذه البركات الهامية من سماء عنايته المعدود خارقها آية من آياته ، وكلَّنا جناه ، وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا اللَّه بهداه ؛ وأصحبناها أشخاصا من نواقيس الفرنج مما تأتّى حمله ، وأمكن نقله ؛ وما سواه فكانت جبالا ، لا يقبل نقلها احتيالا ؛ فتناول درعها ( 3 ) المسخ والتكسير ، وشفي بذهاب رسومها الإقامة والتكبير ، والأذان الجهير ؛ ومرادنا أن تعرض بمجتمع الوفود تذكرة تستدعي الإمداد بالدعاء ، وتقتضي بتلك المعاهد النّصر على الأعداء ؛ ثم تصحب ركاب الزّيارة ، إلى أبواب النبوّة ومطالع الإنارة ؛ وأنتم تعلمون في توفية هذه الأحوال ورعايتها ، وإبلاغها إلى غايتها ، ما يليق بحسبكم الوضّاح ، ومجدكم الصّراح ،

--> ( 1 ) راجع الصفحة السابقة ، الحاشية : 5 . ( 2 ) أوجف دابته : حثها ، والشيء : حرّكه . والمراد : فتحت بغير حرب . ( 3 ) الدّرع من النخل : ما ظهر جمّاره : والجمّار : قلب النخل .